أكثر وفيات المشاهير خسائر خاصة يُدعى الجمهور إلى مشاهدتها. وقليل منها شيء آخر تمامًا: حدث عام من الضخامة بحيث تكاد الخسارة الخاصة تختفي داخله. فحين توفيت أم كلثوم في القاهرة يوم 3 فبراير 1975، أخرج العالم العربي واحدة من أكبر الجنازات في التاريخ المدوَّن — حشدًا من الاتساع، ومن رفض الوداع، بحيث انتزع الجنازة فعليًا من يد الدولة التي نظّمتها. هذه قصة سنواتها الأخيرة، ويومِ الوداع نفسه، وما صنعته القاهرة بذكراها منذ ذلك الحين.
الانحدار الطويل
كان جسدها يفاوض شهرتها منذ عقود. فمنذ أواخر الأربعينيات عانت من داء في الغدة الدرقية يُعرَّف عادة بأنه داء غريفز، أثّر في عينيها وحملها على السفر للعلاج — ومنه جراحة أجرتها في الولايات المتحدة عام 1953 — وهو الذي أورثها النظارات الداكنة الثقيلة التي صارت جزءًا من صورتها العامة. أما في عقدها الأخير فكان الخطر الأكبر في كليتيها: التهاب مزمن دبّره أطباء متخصصون في أوروبا والولايات المتحدة من غير أن يشفوه، بينما كانت هي تحمل جدول حفلاتها المرهق في حملة التبرعات التي أعقبت 1967، كما ترويها مقالة صوت الأمة.
لم يكن في وسع الجمهور أن يقيس الانحدار إلا قياسًا غير مباشر، لأنها رفضت أن تؤديه أمامه. فقد حافظت أعمالها الأخيرة على ضخامتها: أغدًا ألقاك عام 1971 من تلحين محمد عبد الوهاب، ثم يا مسهرني عام 1972، آخر أغنية جديدة حملتها إلى مسرح. وفي حفلة من حفلات ديسمبر 1972 بدا عليها الإعياء في منتصف البرنامج؛ لكنها — على عادتها — أتمّت السهرة. وكانت تلك آخر مرة غنّت فيها أمام جمهورها. غير أن عملها لم يتوقف: ففي مارس 1973 سجّلت «حكم علينا الهوى» من ألحان الشاب بليغ حمدي في جلسة استوديو ماراثونية واحدة. أُلغيت الحفلة التي كانت ستقدَّم فيها الأغنية للجمهور، فصار التسجيل آخر تسجيلاتها. وبحلول أواخر 1974، وبعد علاج جديد في الخارج، قيل إنها في طريقها إلى التعافي. ثم في 21 يناير 1975 أدخلتها نوبة كلوية حادة أحد مستشفيات القاهرة، ولم يكن بعدها تعافٍ. توفيت فجر الاثنين 3 فبراير 1975 بفشل كلوي، وهي في السبعينيات من عمرها — وسِنّها على وجه الدقة غير مؤكدة، لأن قرية مولدها لم تقيّد تاريخه تقييدًا ثابتًا.
كيف أُذيع النبأ
قطعت الإذاعة المصرية برامجها بتلاوة من القرآن الكريم قبل إعلان الخبر — وهو التسلسل الذي كان كل مستمع في ذلك الزمن يعرف قراءته — وتبعتها الإذاعات في أنحاء العالم العربي، فنحّت جداولها جانبًا للتلاوة ولتسجيلاتها هي. وفي صباح اليوم التالي تصدّر النبأ الصفحات الأولى من الرباط إلى بغداد، ونقلته صحافة العالم كله؛ ونشرت مجلة «تايم» الأمريكية تقريرها تحت عنوان «جنازة عندليب». ثم جرى ما لا سابقة له تقريبًا في وداع مواطنة من غير أهل الحكم: زادت شركات الطيران رحلاتها وأضافت السكك الحديدية قطارات لاستيعاب المعزّين الوافدين على القاهرة من أنحاء مصر والبلاد العربية، وانهالت برقيات العزاء من الملوك والرؤساء العرب على الرئيس السادات كأنما تُوفي حاكم.
الأربعاء 5 فبراير: الجنازة
خططت الدولة لوداع مهيب منضبط. ففي صباح 5 فبراير أُقيمت صلاة الجنازة في مسجد عمر مكرم بميدان التحرير — مسجد المآتم الرسمية في القاهرة — بإمامة نائب رئيس الوزراء ووزير الأوقاف، وعلى رأس الموكب رئيس الوزراء عبد العزيز حجازي ورئيس مجلس الشعب والوزراء وسفراء الدول العربية. وكان جثمانها قد غُسّل، بحسب رواية أسرتها، بماء من مكة أرسله أمير سعودي، وكان مقررًا أن يسير الموكب بوقار البروتوكول قبل أن يُنقل النعش إلى مقبرة الأسرة في الجبّانة الجنوبية.
لكن كان للجموع رأي آخر. تبدأ تقديرات حجمها من نحو مليون في الصحافة الغربية المعاصرة للحدث، وتبلغ الأربعة ملايين التي استقر عليها المصريون أنفسهم — وهي بكل حساب أكبر حشد في تاريخ البلاد، متجاوزةً حتى جنازة الرئيس عبد الناصر قبل خمس سنوات. اخترق المشيّعون الحواجز، ورفعوا النعش عن أكتاف حامليه الرسميين، وحملوه بأنفسهم، تتناقله الأيدي فوق بحر البشر، وهم يهتفون «لا إله إلا الله» و«مع السلامة يا صوت الشعب». ولنحو ثلاث ساعات صارت الجنازة ملكًا للشارع، تُدفع عن مسارها المرسوم وتُساق نحو القاهرة القديمة — وأكثر الروايات تقول نحو الجامع الأزهر، المسجد الذي تصفه الروايات الشعبية بأنه كان الأحب إليها؛ وتذكر رواياتٌ أخرى مسجد الإمام الحسين المجاور. ولم يُستردّ النعش إلا بعد ذلك الطواف الطويل، ليُنقل جنوبًا إلى مثواه. ويحلو للمصريين أن يلحظوا المقارنة التي فرضها ذلك اليوم: الدولة دفنت رئيسًا عام 1970، والشعب دفن مغنية عام 1975 — دفنًا أعظم.
البساتين: القبر والضريح
دُفنت في مقبرة الأسرة بالبساتين، ضمن منطقة مقابر الإمام الشافعي في القرافة الجنوبية التاريخية بالقاهرة — «مدينة الموتى» التي تدفن فيها العاصمة أولياءها وعلماءها ومغنّيها منذ ألف عام. وبعد عام من وفاتها، وبطلب من وزارة الثقافة، شُيّد فوق القبر ضريح لائق: بناء مهيب على الطراز المصري المُحدَث، منسحب عن الشارع، من أكبر أضرحة المنطقة، في داخله قاعة استقبال ظل حارس الضريح يحتفظ فيها طويلًا بسجل للزوار. وعلى مدى عقود توافد المحبون، من المصريين وزوار الخليج خاصة؛ غير أن الزائرين في السنوات الأخيرة يصفون ساحة أهدأ وبوابة مقيدة بالسلاسل وعلامات إهمال — وهو مصير يشاركه الضريح مع كثير من القرافة القديمة من حوله.
الذكرى السنوية
لم ينته الحداد قط انتهاءً تامًا؛ بل صار تقويمًا. فقد أبقت الإذاعة المصرية تقليدًا راسخًا ببث حفلاتها مساء أول خميس من الشهر — الموعد الذي ملكته حفلاتها الحية عقودًا، كما تروي مقالة حفلات الخميس الأول — وما زالت ذكرى 3 فبراير تُحيا كل عام بالبث والاستعادات وحفلات التكريم. وفي عام 2001 افتتحت الدولة المصرية متحفًا مكرسًا لها في جزيرة الروضة بالقاهرة يجمع فساتينها ونظاراتها الشهيرة ومخطوطاتها وأوسمتها؛ بل أُعيدت في السنوات الأخيرة إلى المسرح «هولوغرامًا» أمام جمهور وُلد بعد 1975 بزمن طويل. واصل الملحنون الذين عمّروا بعدها — عبد الوهاب ورياض السنباطي — التلحين، لكن الجميع أدرك أن المؤسسة التي كانوا يكتبون لها قد رحلت. وبقي ما كانت الجموع تبكيه أصلًا: الصوت المسجل، من الأطلال وما قبلها وما بعدها، ما زال على الأثير، يجمع الجمهور الذي كشفت عنه جنازتها. أما حياتها قبل ذلك الأسبوع الأخير فتُروى في أم كلثوم: سيرة.