طوال نحو أربعة عقود كان للعالم العربي موعد مشترك. في الخميس الأول من الشهر، على امتداد موسم الحفلات، تغني أم كلثوم في القاهرة وينقلها الأثير حيًّا إلى كل من يملك جهاز راديو — أي إلى الجميع تقريبًا مع تقدم القرن. لم تعرف المنطقة بثًّا يضاهيه: لم يكن برنامجًا بل طقسًا يُلتزم به من ساحل المغرب على الأطلسي إلى الخليج.

موعد التزمه العالم العربي كله

تشكّلت العادة بعدما انطلقت الإذاعة المصرية عام 1934 وجعلت حفل أم كلثوم الشهري ركنًا ثابتًا في جدولها. كانت أمسية الخميس عتبة الأسبوع — الليلة السابقة للجمعة، يوم الراحة — فصار الخميس الأول من الشهر ملكها.

والحكايات عن تلك الليالي تُروى في بلدان كثيرة حتى انتقلت منذ زمن من باب الطرائف إلى باب الذاكرة الجماعية: شوارع تخلو مع اقتراب الموعد؛ أصحاب مقاهٍ يخرجون أجهزة الراديو إلى الأرصفة وتُرَصّ الكراسي حولها كصفوف المصلين؛ سائقو سيارات يوقفون سياراتهم في منتصف الطريق؛ زيارات عائلية تُرتَّب على مواعيدها هي لا العكس. وتعلّم الساسة ألا يحدّدوا خطبهم في مواجهتها. وعبر حدود كانت تتصلب سياسيًا بقيت الحفلات غرفة واحدة مشتركة تدخلها العواصم العربية كلها في الساعة نفسها.

هيئة السهرة

لم تكن حفلة الخميس الأول تشبه برامج المنوّعات الحديثة في شيء. كانت السهرة تُبنى من وصلات، وكل وصلة تحمل أغنية واحدة لا غير. ثلاث أغنيات تكفي لملء ليلة تمتد من المساء إلى ما بعد منتصف الليل بكثير، لأن «الأغنية» في هذا الفن لم تكن قطعة من ثلاث دقائق بل أرضًا تُستكشف.

تفتتح كل وصلة بالمقدمة الأوركسترالية، تغرس الفرقة اللحن والمقام في أذن القاعة. ثم يدخل الصوت ويبدأ العمل الحقيقي: بيتًا بيتًا تبسط أم كلثوم النص — أغنية عامية لشاعر مثل أحمد رامي أو قصيدة فصحى شامخة — على مدى ثلاثين أو أربعين أو ستين دقيقة وأكثر. والأغاني المصوغة على هذا المثال، مثل حيرت قلبي معاك والأطلال وكلتاهما من تلحين رياض السنباطي، صُممت رحلاتٍ: محطات شدّ وإرخاء مرسومة سلفًا، مع فسحة تتمهل فيها المغنية حيثما اقتضت الليلة.

الجمهور شريكًا في التأليف

وكانت الليلة تقتضي دائمًا. فالحقيقة الفاصلة في هذه الحفلات أن أداءين للأغنية الواحدة لم يتطابقا قط، لأن الجمهور كان داخل الموسيقى. حين يصيب سطرٌ مقتلًا تنفجر القاعة — والانفجار طلب. فتعود أم كلثوم إلى السطر وتؤديه من جديد على غير ما أدّته: زخرفة أخرى، طبقة أخرى، اتكاءة أعمق على أوجع درجات المقام. قد يعود البيت الواحد خمس مرات أو عشرًا، كل مرة تصعيد، وصيحات الاستحسان مفاوضة جارية بين المغنية والقاعة.

تلك هي «الإعادات التي لا تنتهي» التي حيّرت المستمع الأجنبي أول مرة وحدّدت هذا الفن لكل من عداه. لم تكن تكرارًا بل تأليفًا في اللحظة، وسعيًا إلى الطرب — النشوة الموسيقية الجماعية — بالمعاودة. ولهذا تختلف تسجيلاتها الحية هذا الاختلاف كله عن نسخ الاستوديو، ولهذا يتجادل العاشقون في أي ليلةٍ من ليالي إنت عمري هي الليلة الحق. لم يكن للساعة سلطان في القاعة؛ كانت الأغنية تنتهي حين تكتمل الحال التي تبنيها، لا قبل ذلك.

الطقس وما بعده

حوّلت حفلات الخميس الأول جدولَ مغنية إلى عمارة مدنية. صار للشهر في القاهرة — وفي بيروت وبغداد وتونس والخرطوم — هيئة، وكانت هي جزءًا من الهيئة. ولما جاءت حرب 1967 تحولت الآلة الشهرية نفسها بين ليلة وضحاها تقريبًا إلى أداة جمع تبرعات وطنية، لأن الجمهور كان يحتشد من تلقاء نفسه؛ هكذا كان دائمًا.

خفف المرض الجدول في مطلع السبعينيات، وكانت حفلتها الكاملة الأخيرة عام 1972. لكن الموعد عاش بعد صاحبته. ظلت الإذاعات العربية عقودًا تعيد بث حفلاتها في أوائل الشهر — وما زال كثير منها يفعل — حتى اكتسب مستمعون وُلدوا بعد 1975 بزمن المنعكسَ الذي كان لأجدادهم: حين تندفع تلك المقدمة الأوركسترالية من بين الذبذبات مساء خميس، تتوقف عمّا في يدك. زالت مقاعد القاعة، وبقي الموعد قائمًا.