قلّما تتطابق سيرة فنان مع سيرة وطن كما تطابقتا في حياة أم كلثوم. وُلدت في قرية صغيرة من قرى دلتا النيل عند مطلع القرن العشرين، وشُيّعت بعد ثلاثة أرباع قرن في واحدة من أكبر الجنازات التي عرفها التاريخ الحديث. وبين الميلاد والرحيل صعدت من تلاوة القرآن وأفراح القرى إلى الأسطوانات فالإذاعة فمسرح الحفلات، حتى صار صوتها — بلا مبالغة — صوت مصر نفسها.

طفولة في الدلتا

وُلدت فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية. تاريخ ميلادها الدقيق غير مؤكد، إذ لم تكن سجلات القرى منضبطة في ذلك الزمن، لكنه يقع حوالي عام 1898. كان والدها إمام مسجد القرية، يكمّل رزقه بإحياء الموالد والأفراح بالإنشاد الديني.

في هذه الحرفة ظهرت موهبتها. تعلّمت تجويد القرآن أولًا، فاكتسبت منه ما لازم غناءها طوال حياتها: إخراج الحروف من مخارجها، والنَفَس الطويل الممدود، واليقين بأن معنى النص هو منبع موسيقاه. ولمّا أدرك الأب أن الناس يدفعون ليسمعوا الصغيرة، ضمّها إلى فرقة العائلة، وألبسها زيّ الصبيان تخفيفًا لحرج ظهور بنت أمام الجمهور. وسرى خبر الطفلة ذات الصوت العجيب في قرى الدلتا، حتى بلغ القاهرة.

القاهرة

حوالي عام 1923 انتقلت العائلة إلى العاصمة، وكانت يومها قبلة الموسيقى العربية بلا منازع. تعهّدها كبار الفن: الملحن زكريا أحمد الذي سمعها في الريف وألحّ في استقدامها، وظل يلحّن لها عقودًا؛ والشاعر أحمد رامي الذي سمعها بعيد عودته من باريس، فبدأت بينهما شراكة امتدت العمر كله: علّمها الأدب، وهذّب ذائقتها، وكتب لها من الأغاني أكثر مما كتب أي شاعر آخر.

خطوة خطوة تخلّت عن الرصيد الريفي الديني، وأتقنت فن الغناء العربي الرفيع، واستبدلت بمرافقي العائلة خيرة عازفي التخت في القاهرة. ومع نهاية العشرينيات كانت من أعلى المغنّيات أجرًا في مصر، ومع مطلع الثلاثينيات لم يعد لها منافس جدّي.

عصر الإذاعة

حين انطلق البث الرسمي للإذاعة المصرية عام 1934 كان صوتها من أول ما حملته الأثير، وكأن هذا الاختراع صُنع لها. كانت الأسطوانة تختصر الأغنية في دقائق؛ أما الإذاعة فتتسع لسهرة كاملة. وتحوّلت حفلاتها الشهرية المذاعة على الهواء في الخميس الأول من كل شهر إلى موعد يلتزمه المستمعون في مصر وخارجها.

وفي الثلاثينيات والأربعينيات مثّلت في عدد من الأفلام الغنائية، ووسّعت فنّها في اتجاهين معًا: الأغنية الشعبية الخفيفة مع زكريا أحمد وشاعر العامية بيرم التونسي، ومنها غني لي شوي شوي عام 1945، والقصائد الكبرى التي صاغها لها رياض السنباطي، وهو الملحن الأكثر التصاقًا بأسلوبها الناضج.

على مسرح الأمة

غنّت أم كلثوم للجمهورية التي قامت في الخمسينيات كما غنّت للعهد الملكي من قبلها، وأدركت الدولة الجديدة قيمتها، فصارت حفلاتها وأغانيها الوطنية جزءًا من صورة مصر عن نفسها. وفي عام 1964 تحقق اللقاء الذي ظنّه جيل كامل مستحيلًا: لقاؤها مع محمد عبد الوهاب، مجدّد التلحين المصري ومنافسها الأكبر على آذان الجمهور. كان أول أعمالهما معًا إنت عمري حدثًا قوميًا، وسمّت الصحافة تلك الشراكة «لقاء السحاب». وبعد عامين جاءت الأطلال بتلحين السنباطي على شعر إبراهيم ناجي، وهي في نظر كثيرين قمة فنّها.

وبعد هزيمة يونيو 1967 حوّلت نجوميتها إلى خدمة عامة، فجابت مصر والعالم العربي — وباريس أيضًا — بحفلات ذهب ريعها إلى خزينة الدولة، وهو فصل تفصّله مقالة صوت الأمة.

السنوات الأخيرة

اعتلّت صحتها في مطلع السبعينيات، وأبعدها المرض تدريجيًا عن المسرح، فكانت حفلتها الكاملة الأخيرة عام 1972. وحين رحلت في القاهرة يوم 3 فبراير 1975 لم يكن لما جرى سابقة: خرج المشيّعون بالملايين، وانتزع الجمهور النعش من مساره المرسوم وحمله في الشوارع ساعات. وبحث مراسلو الصحف الأجنبية عن تشبيه يليق بالمشهد فلم يجدوا.

ما بقي

بعد نصف قرن ما زالت تسجيلاتها زادًا يوميًا على الإذاعات العربية، وما زال إيقاع حفلاتها الشهرية حيًّا في عادات مستمعين وُلدوا بعد رحيلها بزمن. انصهر في صوتها انضباط الكُتّاب وتجويد القرآن، وشعر رامي وناجي، وصنعة زكريا أحمد والسنباطي وعبد الوهاب، فصمد الصوت. امتدت حياتها من أفراح الدلتا على ضوء الفوانيس إلى ميكروفونات المجتمع الحديث، فكسبت الجمهور الثاني من غير أن تخسر الأول.