يدهش الأمرُ من لا يعرف أم كلثوم إلا صوتًا: فقد كانت طوال أحد عشر عامًا نجمة سينمائية أيضًا. بين 1936 و1947 قامت ببطولة ستة أفلام غنائية، بُنيت كلها حول غنائها، ونجحت كلها تجاريًا — ثم هجرت الشاشة هجرًا نهائيًا وأمامها من مسيرتها نحو ثلاثة عقود كاملة. هذه الأفلام فصل حقيقي من قصتها لا هامش فيها، وأسبابُ دخولها السينما وأسبابُ خروجها منها تخبرك الكثير عن طبيعة الفنانة التي كانتها.

رهان طلعت حرب: «وداد» (1936)

أنشأ رجل المال الوطني طلعت حرب مؤسسةَ السينما المصرية التأسيسية، استوديو مصر، عام 1935 ضمن مشروعه لبناء صناعات حديثة مملوكة للمصريين. ولأول فيلم روائي ينتجه الاستوديو كان يحتاج إلى ضمانة نجاح، ومنطقُ اللحظة قدّمها: كانت الأفلام الغنائية هي الوصفة المجرَّبة — فقد أثبت المطرب محمد عبد الوهاب قبل ذلك ما يصنعه اسم النجم في شباك التذاكر — ولم يكن في مصر اسم أكبر من اسم أم كلثوم. فكانت النتيجة «وداد» (1936) بإخراج الألماني فريتز كرامب، ميلودراما تاريخية تؤدي فيها دور جارية مغنية في مصر المملوكية يصمد وفاؤها لسيدها التاجر بعد خرابه؛ فحين تنهار ثروته تتخلى وداد عن حليّها ثم عن حريتها نفسها لتعيده إلى ما كان. وقد صيغت الحكاية لها بأيدي أهل بيتها الفني — إذ عمل أحمد رامي، شاعر فنّها، على نصوص الفيلم — ويُختم الفيلم بغنائها «على بلد المحبوب»، الأغنية التي عاشت بعد الفيلم عقودًا.

ردّ «وداد» رهان طلعت حرب بفائضه. كان ظاهرة في شباك التذاكر، وحمل الراية إلى الخارج: ففي أغسطس 1936 مثّل مصر في مهرجان البندقية السينمائي — أول فيلم مصري يظهر في مهرجان دولي — وحضرت أم كلثوم نفسها عرضًا أول في لندن ذلك الخريف. واستخلصت صناعة السينما المصرية النتيجة البديهية، فصار الفيلم الغنائي عمودها الفقري لجيل كامل.

سنوات بدرخان: «نشيد الأمل» و«دنانير» و«عايدة»

أخرج أفلامها الثلاثة التالية أحمد بدرخان، الشاب المصري الذي صار المتخصص في تصويرها. نقلها «نشيد الأمل» (1937) إلى الثوب الحديث: تؤدي دور أم مكافحة يكتشف صوتَها طبيبٌ طيب القلب فيتبناه، ثم تختار في نهاية الفيلم الزواج على المسرح. وكانت المفارقة ظاهرة منذ ذلك الحين — فأم كلثوم الحقيقية لم تُخضع مسيرتها لأحد قط — لكن الفيلم منحها أغنيتين باقيتين: «افرح يا قلبي» والوطنية «يا شباب النيل».

أعادها «دنانير» (1940) إلى التاريخ، وإلى الإطار الذي كان أليق بوقارها: بلاط هارون الرشيد العباسي، حيث تؤدي دور مغنية يثبت وفاؤها لراعيها جعفر البرمكي حتى بعد سقوطه المدوّي. وقد لاحظ النقاد أن الفيلم أقرب إلى مسرح غنائي مصوَّر منه إلى سينما — وهذا بالضبط ما يجعله يحفظ شيئًا ثمينًا: أم كلثوم وهي تؤدي السجل الكلاسيكي البلاطي من فنها داخل شخصية درامية. أما «عايدة» (1942) فجرّب ما هو أبعد: نقلَ خطوط أوبرا فيردي إلى حكاية مصرية عن بنت فلاح تنشأ في بيت باشا، بمقاطع مغناة أوبرالية حقًا — أقرب ما بلغته يومًا من موسيقى الفن الأوروبية — ومعها، لأول مرة، لمحات من الفكاهة على الشاشة.

الكوميديا والواقعية: «سلامة» و«فاطمة»

الفيلمان الأخيران هما اللذان يعيد المصريون مشاهدتهما بأكبر مودة. «سلامة» (1945)، من إخراج توجو مزراحي، تدور أحداثه في صدر الإسلام: تؤدي دور جارية مغنية يحبها رجل ورع يستنكر الغناء — وهي فرضية أتاحت للفيلم أن يناقش، برفق، مشروعية فنّها ذاته. وسجّلت نصوصه تحولًا حقيقيًا: فإلى جانب فصحى رامي جاءت الظرافة العامية عند بيرم التونسي، ومن هذا العالم خرجت غنّي لي شوية شوية من تلحين زكريا أحمد — واحدة من أحب أغنياتها الخفيفة إلى الناس، ما زالت تُغنى اليوم على ألسنة من لم يشاهدوا الفيلم الذي جاءت منه قط.

وكان «فاطمة» (1947)، مع بدرخان مجددًا، وداعَها وأكبرَ نجاحاتها الجماهيرية: ميلودراما معاصرة تؤدي فيها دور ممرضة الحي تخدعها أسرة أرستقراطي فتتزوج زواجًا غير موثّق ثم تُهجر. وهو أكثر الأفلام الستة واقعية — فغناء البطلة لا يحل متاعبها حلًا سحريًا، وتضامنُ الناس البسطاء هو الذي يحملها — وقد أخرجها من الشاشة بباقة من الأغاني الناجحة، منها «يا صباح الخير». كانت في أواخر الأربعينيات من عمرها، في أوج قدراتها، ولم يتخيل أحد أن تلك هي النهاية. وقد كانتها.

لماذا توقفت؟

لم تصدر عنها قط تفسير رسمي، والروايات الباقية تشير إلى اتجاهات عدة متلاقية. كان ثمة سبب جسدي: فداء عينيها المزمن جعل وهج إضاءة الاستوديوهات مؤلمًا حقًا. وكان ثمة شأن الصورة: فقد ظلت السينما تُسند إلى أكثر نساء مصر هيبةً أدوارَ الجارية المخلصة أو البريئة المظلومة، وهي أدوار ازداد جلوسها حرجًا إزاء الشخصية العامة السيدة التي بنتها لنفسها. لكن السبب الأعمق كان في الشكل الفني نفسه. كان فنّها فنَّ امتدادٍ وحياة — مفاوضة تدوم سهرة كاملة بين المغنية والنص والجمهور، قد يُعاد فيها الشطر الواحد بعشرات الوجوه حتى تشتعل القاعة. أما الأغنية السينمائية ذات الدقائق الثلاث فكانت تناقض كل ما جعلها هي. وانظر ماذا كانت تصنع على مسرح الحفلات في السنوات نفسها: سلوا قلبي (1946)، قصيدة أحمد شوقي المهيبة، تنتمي إلى الموسم الفاصل بين فيلميها الأخيرين — وتدل على الوجهة التي كان فنها يمضي إليها فعلًا. وبعد 1947 صارت حفلتها الإذاعية الشهرية تبلغ العالم العربي كله دفعة واحدة؛ فلم يعد لدى السينما ما هو أكبر تقدّمه لها، ورغم تكرار العروض لم تعد قط.

حيوات لاحقة

لم تخرج الأفلام الستة من التداول قط — فالتلفزيونات العربية تعيد عرضها منذ أكثر من سبعين عامًا، وهي تبقى الصور المتحركة المطوّلة الوحيدة لأم كلثوم خارج تسجيلات حفلاتها. وحين احتفى النقاد المصريون بمئوية السينما في مصر عام 1996 باستفتاء أُقيم في إطار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لاختيار أفضل مئة فيلم مصري، وجد «دنانير» مكانًا في القائمة — ويحتفظ عرض «وداد» في البندقية عام 1936 بمرتبته التاريخية بوصفه أول ظهور للسينما المصرية على المسرح الدولي. وظلت السينما تعود إليها موضوعًا: فالفيلم الوثائقي الأمريكي «أم كلثوم: صوت مثل مصر» (1996)، من إخراج ميشال جولدمان وسرد عمر الشريف، والمبني على سيرة فرجينيا دانيلسون، قدّمها إلى الجمهور الغربي؛ ومثّل التلفزيون المصري حياتها في مسلسل ذائع عام 1999؛ ثم جعلت الفنانة الإيرانية شيرين نشأت من استحالة الإمساك بها على الشاشة ذاتها موضوعَ فيلمها الروائي «بحثًا عن أم كلثوم» (2017). وتلك الفكرة الأخيرة كانت أفلامها الستة نفسها قد برهنت عليها من قبل: فقد ظفرت الكاميرا بصورتها؛ أما الصوت — كما أثبتت جنازتها — فكان ملكًا لشيء أكبر من أي شاشة.