حين رحلت أم كلثوم في 3 فبراير 1975، جذبت جنازتها ملايين المشيّعين إلى شوارع القاهرة — وهي بروايات كثيرة من أضخم التجمعات في تاريخ مصر الحديث، حتى إن الجموع حملت النعش في لحظات على أكتافها وخرجت به عن المسار المرسوم. بدا المشهد نهاية. لكن بعد نصف قرن يتضح أنه لم يكن نهاية بحال. فمعظم المغنين يخلّفون تسجيلات؛ أما أم كلثوم فخلّفت مؤسسة، وظلت المؤسسة تعمل من دونها. هذا المقال يتتبع تلك الحياة الثانية: على الإذاعة، وفي حناجر المغنين، وفي استوديوهات الغرب وقاعاته، وفي متحف قاهري، وعلى مسارح الهولوغرام، وفي قوائم تشغيل مستمعين وُلدوا بعد رحيلها بعقود.
ما زالت على الأثير
أعجب حقائق إرثها هي أبسطها أيضًا: أنها لم تغادر جدول البث قط. ففي حياتها، ومنذ 1937، كانت حفلاتها تُذاع في أول خميس من كل شهر، وقد حفظت الإذاعة المصرية هذا الموعد منذ ذلك الحين، فظلت ترسل الحفلات المسجلة في ساعة المساء القديمة نفسها، بعد عقود من صمت الصوت. وما زالت أغانيها عملة يومية على محطات العالم العربي، لا بوصفها برامج حنين بل بوصفها صلب الريبرتوار — الخلفية الصوتية لسيارات الأجرة والمقاهي والمطابخ من الدار البيضاء إلى بغداد. لم يحافظ أي مغنٍّ من القرن العشرين، بأي لغة، على حضور إذاعي يومي بهذا الامتداد الزمني.
مغنية المغنين
داخل الموسيقى العربية، إرثها أقرب إلى مناخ منه إلى تأثير؛ فليس في هذا الفن طريق لا يمر بها. هي المعيار الذي ما زال مطربو العرب يُقاسون عليه، والقطعة المعتمدة في اختبارات برامج المواهب التلفزيونية في المنطقة، والمدرسة التي يتعلم عليها المغنون كيف ينبغي أن تُسمَع الزخرفة الكلاسيكية وضبط النَّفَس وجلاء الفصحى. والملحنون الكبار الذين بنوا فنّها — رياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وبليغ حمدي — إنما بقوا قانون الصنعة الغنائية العربية إلى حد بعيد لأن أداءها ثبّت أعمالهم في الذاكرة الجمعية. وقد صاغت جمالياتُ حفلاتها الطويلة معنى «السهرة الموسيقية» العربية إلى اليوم، وكان على كل نجم لاحق في الغناء العربي أن يجيب، بطريقة أو بأخرى، عن سؤال الوقوف في ظلها.
آذان الغرب
لاستقبالها في الغرب شكل غريب: غُفلية شبه تامة لدى الجمهور العام، وانبهار معلن لدى الموسيقيين الذين عثروا عليها. وأوثق التحيات توثيقًا تحية بوب ديلان؛ ففي حواره مع مجلة «بلايبوي» في مارس 1978 ذكر «أم كلثوم» بوصفها مغنية مصرية عظيمة اكتشفها، قائلًا ببساطة: «إنها عظيمة. حقًّا. عظيمة حقًّا» — وفي حوار مع «رولينغ ستون» في العام نفسه عدّها بين مغنّيه المفضلين. أما العبارة المنسوبة إلى أسطورة الأوبرا ماريا كالاس — أن لأم كلثوم «صوتًا لا يُضاهى» — فهي تتردد في كل بورتريه يُكتب عنها تقريبًا، وإن كان يصعب الوقوف على مصدرها الأصلي؛ والذي يمكن قوله بثقة هو أن إعجاب مغنين وموسيقيي روك غربيين بها — وروبرت بلانت مغني ليد زيبلين ممن يتكرر ذكرهم — صار ثابتًا من ثوابت كتابة الصحافة الغربية عنها.
ثم ازدادت التحيات تجسدًا مع الوقت. فألحانها تدور بلا انقطاع في معالجات الدي جيه والريمكسات الإلكترونية، وبلغت شذرات من عالمها المسجل موسيقى البوب الغربية عبر الاقتباس الصوتي (السامبل) — بطرق ملتوية أحيانًا، كما حين اقتُبست في الهيب هوب الأمريكي معزوفاتٌ لموسيقيين عرب لاحقين تؤدي إنت عمري. وأوفر التحيات الغربية وزنًا ألبوم عازف الترومبيت الفرنسي اللبناني إبراهيم معلوف «كلثوم» عام 2015، وهو متتالية جاز تعيد تصور ألف ليلة وليلة — صرح بليغ حمدي لعام 1969 — مع خماسي من نيويورك؛ وقد دخل الألبوم قوائم المبيعات في فرنسا ونال شهادة ذهبية، وحمل أطول قوالب موسيقاها إلى مهرجانات الجاز حول العالم.
متحف على النيل
منحت مصر الإرثَ عنوانًا دائمًا. ففي حرم قصر المانسترلي المشيد في القرن التاسع عشر، عند الطرف الجنوبي لجزيرة الروضة بالقاهرة، أنشأت الدولة متحف أم كلثوم الذي افتُتح في 28 ديسمبر 2001 تحت إشراف وزارة الثقافة. ومقتنياته حميمة لا فخمة: فساتين المسرح، ونظاراتها الداكنة الشهيرة وإكسسواراتها المرصعة، والأوسمة والنياشين، وأوراق شخصية ورسائل، وصور فوتوغرافية، ومحطات استماع للتسجيلات. وفي هذا الحجم مغزاه — غرفة في قصر صغير لصوت ملأ القارات — وقد صار المتحف محطة معتادة في المسار الثقافي القاهري، يعرّف بها سائحين يصلون لا يعرفون شيئًا ويغادرون باسم سيظل يقابلهم.
عودة بالهولوغرام
أغرب فصول الحياة الثانية افتُتح في يناير 2019، حين أدّى هولوغرام لأم كلثوم في مهرجان «شتاء طنطورة» في العُلا بالسعودية — صورة مسقطة للمغنية تتقدم أوركسترا حية، من إنتاج مجموعة «إم بي سي» التلفزيونية. ثم طاف الطيف أعظم مسارح المنطقة: فاستضافت دار الأوبرا المصرية حفلات الهولوغرام مطلع 2020، وفي أغسطس 2020 أعادت أوبرا دبي افتتاح أبوابها بعد إغلاق الجائحة بثلاث ليال غنّى فيها الهولوغرام الأطلال وإنت عمري وكلاسيكيات أخرى لقاعات نفدت تذاكرها. ووصف النقاد التجربة بأنها مؤثرة وموحشة بالقدر نفسه؛ ومع ذلك بكى الجمهور وغنّى معها. ومهما يكن الرأي في بعث المغنين بأجهزة الإسقاط، فقد كان المنطق التجاري قاطعًا: بعد رحيلها بنحو خمسة عقود، ما زالت أم كلثوم تملأ دار أوبرا باسمها وحده.
إعادة اكتشاف في عصر البث
كان يمكن لعصر البث الرقمي أن يدفن مسيرة من أغانٍ تمتد الساعة؛ لكنه جدّدها. فتسجيلاتها — الإصدارات الرسمية ونقولات الحفلات التي لا تُحصى — قائمة على كل منصة كبرى، حيث تفعل التوصيات الخوارزمية بهدوء ما كانت إذاعة الدولة تفعله بجهارة: تضع صوتها أمام مستمعين عرب شباب، ومستمعي مهاجر يعيدون وصل ما انقطع مع اللغة، فيكتشفون أن التحفة المهيبة ذات الساعة الكاملة آسرة في حقيقتها. وتعمل الريمكسات والمعالجات الهادئة بوابات إليها، وتُنتج ذكريات رحيلها السنوية بانتظام موجات من التحيات على المنصات ومراجعات في الصحافة. وفي الأثناء صارت صورتها من أسرع أيقونات العالم العربي قراءة: الشعر المعقود والنظارة الداكنة والمنديل المرفوع تظهر على جدران المقاهي والجداريات وفن الشارع والملصقات والمنتجات في أنحاء المنطقة — اختزالًا لا يحتاج إلى تعليق للموسيقى العربية ذاتها.
ميزان الإرث
تنحلّ الإرث عادة إلى نسيان أو إلى كليشيه. وقد استعصى إرثها على الاثنين، والسبب مسموع في التسجيلات: فالأداءات بُنيت لتحتمل التكرار — بل بُنيت من التكرار — فنجت به. البث الشهري، والمتحف على النيل، والهولوغرام في دار الأوبرا، وقائمة التشغيل على هاتف مراهق، كلها تفعل ما كان يفعله جمهور الخميس الأول: العودة إلى صوت يكافئ العودة. وأرشيف الأغاني في هذا الموقع قائم بهذه الروح — وقصتها بوصفها صوت الأمة تشرح كيف بُنيت الأسطورة أول مرة.